الشيخ الطبرسي

16

تفسير مجمع البيان

( واقعدوا لهم كل مرصد ) أي : بكل طريق ، وبكل مكان تظنون أنهم يمرون فيه ، وضيقوا المسالك عليهم ، لتمكنوا من أخذهم . وقوله : ( لهم ) معناه لقتلهم وأسرهم . ( فإن تابوا ) أي : رجعوا من الكفر ، وانقادوا للشرع ( وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة ) أي : قبلوا إقامة الصلاة ، وإيتاء الزكاة ، لأن عصمة الدم لا تقف على إقامة الصلاة وأداء الزكاة ، فثبت أن المراد به القبول . ( فخلوا سبيلهم ) أي : دعوهم يتصرفون في بلاد الاسلام ، لهم ما للمسلمين ، وعليهم ما عليهم . وقيل : معناه فخلوا سبيلهم إلى البيت أي : دعوهم يحجوا معكم . ( إن الله غفور رحيم ) . واستدلوا بهذه الآية على أن من ترك الصلاة متعمدا ، يجب قتله ، لأن الله تعالى أوجب الامتناع من قتل المشركين بشرط أن يتوبوا ، ويقيموا الصلاة ، فإذا لم يقيموها وجب قتلهم ( وإن أحد من المشركين استجارك فأجره حتى يسمع كلام الله ) معناه : وإن طلب أحد من المشركين ، الذين أمرتك بقتالهم ، منك الأمان من القتل ، بعد الأشهر الأربعة ، ليسمع دعوتك واحتجاجك عليه بالقرآن ، فأمنه ، وبين له ما يريد ، وأمهله حتى يسمع كلام الله ويتدبره . وإنما خص كلام الله لأن معظم الأدلة فيه . ( ثم أبلغه مأمنه ) معناه : فإن دخل في الاسلام ، نال خير الدارين ، وإن لم يدخل في الاسلام ، فلا تقتله ، فتكون قد غدرت به ، ولكن أوصله إلى ديار قومه التي يأمن فيها على نفسه وماله . ( ذلك بأنهم قوم لا يعلمون ) أي ذلك الأمان لهم بأنهم قوم لا يعلمون الإيمان والدلائل ، فآمنهم حتى يسمعوا ، ويتدبروا ، ويعلموا . وفي هذا دلالة على بطلان قول من قال : المعارف ضرورية ، وفي الآية دلالة على أن المتلو والمسموع كلام الله ، لأن الشرع والعرب ، جعلا الحكاية كعين المحكى ، يقال هذا كلام سيبويه ، وشعر امرئ القيس . ومن ظن أن الحكاية تفارق المحكي ، لأجل هذا الظاهر ، فقد غلط ، لأن المراد ما ذكرناه . ( كيف يكون للمشركين عهد عند الله وعند رسوله إلا الذين عاهدتم عند المسجد الحرام فما استقاموا لكم فاستقيموا لهم إن الله يحب المتقين ( 7 ) كيف وإن يظهروا عليكم لا يرقبوا فيكم إلا ولا ذمة يرضونكم بأفواههم وتأبى قلوبهم وأكثرهم فاسقون ( 8 )